تشاي جيفارا رمز اليسار و الثورة الطليعية
٢٤ أبريل ٢٠١٢

بقلم منتصر

يعتبر تشاي جيفارا الرمز الأشهر للشيوعية الحديثة بسبب استخدام صورته كعلامة تجارية، و شعبيته بين الشباب، وحتى تيارات اليسار الحالية تعتبره رمزا نموذجيا لكل يساري وهذا يكشف ضحالة أفكار هذه التيارات و خيانتهم للفكر الاشتراكي و أنها تفضل التنازل أمام الأساطير الرسمية بدلا من القتال من أجل الحقيقة و النقد العميق...لا يختلف التروتسكيون والماويون  والستالينيون والاشتراكيون الإصلاحيون في آرائهم حول تشاي جيفارا بل كلهم يكرمونه و يسبحون به. و لكن إذا ركزنا على أفعاله و أفكاره بدلا من الأساطير التي نسجت حوله فسنعرف تأثيره و قيمته الحقيقية.

دخل تشاي جيفارا صفحات التاريخ بعد انتصار ما يسمي بـ"الثورة الكوبية" في اليوم الأول من عام 1959. قبل ذلك كان جيفارا القائد الثاني بعد فيديل كاسترو خلال حرب العصابات في الجبال التي بدأها كاسترو و جيفارا في1956 بعدما وصولوا إلى ساحل كوبا على متن يخت "غرانما" مع 80 من رفاقهم (١) و من هذه التجربة الوحيدة ابدع جيفارا نظريته الشهيرة حول حرب العصابات أسماها نظرية الفوكو (أي تركيز باللغة الإسبانية) و هذه النظرية تتبنى تكتيكا لتطبيق الثورة الاشتراكية من خلال حرب عصابات تقاتلها مجموعة صغيرة من المسلحين اليساريين في الريف دون إعداد سابق أو مشاركة شعبية، ولهذا تعاكس نظريته الشيوعية و تشبه الفوضوية أكثر مما تشبه الشيوعية. فقد قال ماركس في هذا الشأن: "إن تحرير  الطبقة العاملة (اي الثورة الاشتراكية) ينبغي إن يكون من صنع العمال أنفسهم"(٢) و في نظرية الفوكو لا يشارك العمال في فعل الثورة إلا قليل و بالرغم منهم تصنع "الثورة" طليعة صغيرة لا جذور لها في المجتمع.

و إذا انتصرت ثورة صنعتها طليعة صغيرة فستحكم الشعب من أعلى ولن يتغير نظام الحكم عما كان قبل "الثورة" و هذا ما حدث في كوبا: صعدت عصبة كاسترو وجيفارا للحكم و اصبحوا طغاة يقودون شؤون البلد بلا تشاور مع الشعب...و ما ساعد عصبة كاسترو و جيفارا في هذا هو انتمائهم للستالينية،و  نظرية الفوكو نفسها نظرية تناسب الستالينيين في كونها نظرية طليعية تتجاهل دور العمال و الزراع فيما قبل الثورة الاشتراكية كما تتجاهل الستالينية دور الشعب فيما بعد الثورة الاشتراكية.

  تحول جيفارا الصراع الطبقي إلى مسألة عسكرية فيقول: "أولا إذا صدقنا أن العدو [أي حكومة رأسمالية] سيقاتل ليبقى في الحكم فعلينا أن نفكر في تدمير الجيش الظالم و لهذا فإن الجيش الشعبي ضروري.”(٣) هذا مثال من تفكيره اللاعميق، و  يظهر تركيزه في المسائل العسكرية و عدم ثقته بالشعب فيقول أننا نحتاج إلى جيش لندمر جيشا آخر و تنتصر الثورة الاشتراكية و لكن أين دور الجماهير في صراع الجيشين؟ هل هم جنود  تابعون للجيش فقط؟ في نظره هذا صحيح، ولكن الثورة الاشتراكية الحقيقية لابد أن تكون من صنع الطبقة العاملة نفسها كما قال ماركس والانتفاضة المسلحة الشعبية التي ستنهي الحكم الرأسمالي سنقاتلها على أساس طبقي فندعو الجنود إلي الانشقاق عن ضباطهم و سينشقون بالفعل(٤)، و سينضمون إلى صفوف طبقتهم، و فعل الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تكون مثل حرب بورجوازية ضد حكومة ما، فالثورة ليست حربا و  صانعها ليس جيشا بل هو الطبقة العاملة المنظمة!

ما انتصر اتباع نظرية الفوكو إلا في كوبا نفسها و لكن في المدة ما بعد "الثورة" الكوبية حتى التسعينيات كان في كل الدول الأمريكية اللاتينية على الأقل تنظيم جيفاري(٥) واحد، و لكن في كل هذه الدول ما انتصر تنظيم جيفاري خلال الخمسين سنة بعد "الثورة" الكوبية (٦) ،بل إن سيطرتها على المعارضة اليسارية في أمريكا اللاتينية أضرت بالحركة الشيوعية في المنطقة كثيرا لأنها أعطت للطغاة أفضل عذر لقمع كل التنظيمات التقدمية.

قال جيفارا أنه ابتدع نظريته خلال حرب العصابات في كوبا،  لكنه لم يكشف عن خصوصيات هذه الحرب التي أدت إلى انتصار عصبته بسهولة نسبية...ففي كوبا آنذاك كان الدكتاتور باتيستا (عميل الأمريكان) و نظامه  ضعيفين جدا وقرر الاستعمار الأمريكي  التخلص من عميله،  ففي 1958 فرض حظر السلاح على كوبا وفي ديسمبر استقبل السفير الأمريكي باتيستا و قال له أن دعم أمريكا لباتيستا انتهى و نصح السفير باتيستا باللجوء إلى أسبانيا و بعد أسبوعين فر باتيستا من كوبا إلي أسبانيا....و يعتبر يوم فرار باتيستا يوم انتصار "الثورة" الكوبية...فعصبة كاسترو انتصرت بمساعدة غير مقصودة من أمريكا و استغلت الفراغ التام بعد فرار باتيستا لتصعد إلى الحكم بسهولة (٧) …استخف الاستعمار الأمريكي بعصبة  كاسترو و لم يعتقد أنها قادرة على الانتصار و لكنه تعلم من خطأه في كوبا ليحارب الجماعات الجيفارية في باقي أمريكا اللاتينية و انتصر عليها فيما بعد "الثورة" الكوبية بسبب ضعف الفكر الجيفاري و عدم عمليته و كونه نظرية طليعية نخبوية.

نظرية الفوكو لا تهتم بالجماهير و ليست لها اكثر من انتصار واحد فلماذا يبقى جيفارا مشهورا و محبوبا؟ أولا لأنه مات شهيدا...و لكن شهيد نظارية باطلة قتلت كم يساريا واعيا ذكيا له مستقبل مفيد للشعب في الحركة الشيوعية؟...ثانيا لان نظريته تعبر عن شعور الكثير من الشباب اليساريين اللذين يريدون القتال المسلح من اجل الاشتراكية الآن بغض النظر عن ذكاء أو عملية هذا الموقف، فيريدون أن يفعلوا شيئا ماديا و لا يريدون أن يدخلوا في العمل الصعب و المستمر في الدعاية و تنظيم الكادحين،و علينا رفض الكسل السياسي و عدم الصبر هذا و شرح أفكارنا لمثل هؤلاء اليساريين.

 عرفنا قيمة جيفارا الحقيقية و تأثيره على الحركة الشيوعية وعلينا أن نتأكد أننا كشيوعيين لا نعبد شخصية، و لا نسبح بها، و لا نعتبر أي شخصية شيوعية حتى إذا كانت ماركس إلا كرفيق مهم وعميق  العقل. نرفض أفكار و آثار الشيوعيين الزائفين الذين خرجوا عن الشيوعية لأسباب ما لأننا نريد حركة  شيوعية جديدة و لا نريد أن نسبح في أوحال الماضي إلى الأبد.

الملاحظات:
١ - بقى اقل من نصفهم على قيد الحياة بعد الهجمات الأولى
٢ - كارل ماركس, برنامج غوتا
٣ - تشاي جيفارا, حرب العصابات: تكتيك
٤ - و طبعا لن يحدث هذا دون استعداد بشكل الداعية الثورية المستمرة بين الجنود في السنوات ما قبل الثورة
٥ - مثلا في السلفادور في السبعينيات كانت اكثر من خمسة  قتالية تأثرت كثيرا من الفكر الجيفاري و في غواتيمالا في نفس الوقت كانت أربعة تنظيمات قتالية
٦ - إلا في نيكاراغوا عندما انتصرت الجبهة الساندينية للتحرير الوطني التي تأثرت من الجيفارية و لكن تأثرت اكثر من الفكر الستاليني حول الجبهة الشعبية و نتيجة انتصار الساندينيين سيطرة السياسة الليبرالية على نيكاراغوا و حتى قائد الجبهة الساندينية الآن اصبح كاثوليكي متشدد
٧ - للتوضيح: الاستعمار الامريكي لم يكن يفضل عصبة كاسترو على باتيستا و لكن في نفس الوقت عصبة كاسترو و جيفارا ما أعلنت اتجاهها السياسي إلا بعد عامين من حكمها و الاستعمار الأمريكي بكل تأكيد لم يكن يعرف أنها سيتحالف مع الاتحاد السوفيتي